اخى القارى فقط استرجع ذكريات هذه السنة وتذكر كيف كانت ايامك قبل اندلاع ثورة تونس . تذكر ليبيا التى يحكمها القذافى وهى مليئة بالهموم والمشاكل والعطائات والتكوليس واللبوات والنغمات والرصيد والبناء العشوائى ومعانا معانا. لايهمنى اذا كنت مع القذاف او ضده اما كاتب هذه السطور فهو ضده منذ عام 1984. قد لايغير ذلك فى الوضع شيئا او لم يعد مهما الان فقد تركت ليبيا وافراحها واهمومها ووجدت نفسى فى اصقاع الارض البعيدة اشتعرض مسيرة زمن مضى...
منذ عام مضى كنت انسانا اخرا, اوبالأحرى كنت اتوهم ذلك ولم لا وقد عشت كباقى ابناء شعبى اوهاما لامثيل لها الى فى اساطير الاغريق و كتب الهندوس, منذ عام مضى كنت فى الجبل الأخضر, ذاك الجبل الساحر الذى ليس لك الأ ان تعشقه فأرضه الخلابة الخضراء وشمسه الدافئة ونسيم بحره طلاسم انحنت لها بلاد اليونان وفلاسفتها, كنت اعيش قصة حب مع حورياته ... اقصد طلميثة,قصر ليبيا, شحات ,سوسة,راس الهلال, لاثرون وسلنطة. انها ليست مجرد اسماء بل انها التاريخ الذى انحنى له ابو التاريخ هيرودوت فجعل كتابه الرابع فقط عن تلك المناطق الخلابة. كنت وكثيرون من ابناء بلدى نحاول ان نرسم صورة ليبيا كما رسمها هيرودوت ونحن نقوم بمرافقة المجموعات السياحية القادمة لأكتشاف حضارتنا , كانت ليبيا فى مخيلتنا هى سحر شحات وغروب سوسة وجبال طلميثة وابتسامة صبراتة وعظمة لبدة الكبرى وهدوء جبال الاكاكوس و شموخ قصر نالوت وظلال غدامس.
كان فندق تيبستى فى بنغازى هو نقطة الألتقاء بين المجموعات التى تتجه الى الجبل الاخضر وتلك التى انهت زياراتها هناك وتتستعد للأنطلاق الى طرابلس. كانت السياسة هى نقظة الحوار الرئيسية سواء بيننا نحن كمرشدين سياحيين او بيننا والمجموعات التى نرافقها.... وكانت اغلب احاديثنا سياسة او اخاديث مشفرة لفهم شفرة السياسة الليبية... فكما تعرفون لايوجد ليبى او اى زائر الى ليبيا ان لايتحدث أوبالأحرى يهمس فى اذنك شيئا عن السياسة فكل شى كان واضحا للعيان.
كانت و على السبيل المثال الطريق المِِؤدية الى طلميثة توحى لك وكأنك فى احدى امارات اسيا الوسطى, اما منطقة قصر ليبيا والتى تحتوى على اندر الفسيفساء البيزنطية فى العالم تعانق اكواما من القمامة, منطقة سلنطة والتى تحتضن اقدم معبد فى برقة تبدو وكأنها خارج الزمن ..... كانت بنغازى موطن حداق الهيسبيريدس احدى عجايب هرقل فى زمن الاغريق وطرابلس قاهرة الأساطيل الاوربية فى العهد العثمانى فقط اشباه مدن بل ومزيج ماتعرفله لاراس لاقعر على رأى لهجتنا الليبيى.... كان مطار سبها عاصمة الجنوب وكأنه فقط للهبوط الأظطرارى... كانت نالوت وكباو وقصر الحاج وكأنها جزء من افلام انطزنيو بانديراس وهو يروى قصة اوائل القرى الاسبانية فى المكسيك فى القرن الخامس.. وكان هناك سؤالا واحدا وهو:
لماذا؟
كان ذلك سؤالا اساسيا لكل من زار ليبيا, سؤالا يجبرك على ان تسرد له قصة ليبيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وفترة الملكية ثم تعرج به على الاطروحات البديعة التى تصنع الانسان النموذجى الجديد صاحب الشلطة والثروة والسلاح والذى سينتظر امريكا وكذلك الاسماك وتروى له قصص لجان التطهير من غير بنج وقصص الخدمة الوطنية والشيخ زبير وماسيمو داليما الذى هو فى الأصل بن حليمة......تذهب فى حديثك يمينا ويسارا وتجتهد بكل مفردات اللغة التى تتحدثها لتحاول ان تشرح لطارح السؤال معنى كل ذلك الماذا......
اعطنى قهوة من فضلك... تقول تلك السيد الأيطالية والتى لم تستوعب شيئا من اجابتى
هل انت تمزح معى؟.....
لا انا لا امزح بل اننى اردد فقرات من خطاب رسول الحضارة الانسانية الجديدة....
اى رسول هذا واجمل مدينة رومانية مثل لبدة لايوجد بها دورات مياه تصلح للأستعمال الأدمى؟.....
اسسسس.... البحر فيه كلب ياهوه ... من اللى عنده عزوز رايحة؟ زود يامسعود اتصل بالمكتب الاخوة الأيطالى خلى يرحلوا ها الحصلة هاذى....
كان ذالك فقط جزئا وعينة من احاديثنا مع السواح .....وكان الشعب الليبى يتذمر من الوضع ولكن لايستطيع الحديث اللهم الا اذا صامطها فى حوازة على لهجة اهل برقة اما اذا امكنش فيالبيبيا ياجنة....
كانت الثورة التونسية لاتعنى الكثير فى بدايتها فالشعب الليبى لاهى فى القروض والاسمنت وسيارات التوسان والكيا ونغمات النقال..... وفجأة بن على هرب. بن على هرب بن على هرب.... كيف صار؟ انتم من غير بن على شن عندكم؟ عنزين واربع زيتونات...... واتى الدور على الريس المعلم زلطة والذى انتظرنا رحيله كثيرا ونحن نشاهد العبارات الساخرة والتى تعبر عن الشخصية المصرية متخذة من الهزلية طريقا لها مثل:
ارحل ياسعادة الريس دانا زهئت من الكنتاكى... ارحل انا عاوز احلق.... ارحل يعنى امشى يلى مابتفهمشى....الخ ورحل الريس.
اذكر انه كنت فى طيران متواصل بين طرابلس وبنغازى بعد سقوط مبارك وكنت استمع الى عبارات وبصوت اعلى هذه المرة وبلهجات مختلفة ففى طرابلس تستمع الى:
واحنى امتى زعما؟ اما فى بنغازى فتستمع الى: العقبة لناس واجدة.....
كان الشارع الليبى يغلى تماما وكانت الناس متلهفة للبداية , فقط تنتظر الشرارة . وكان اتباع القدافى قد ساهموا وبغباء فى تأجيج النفوس من خلال استعراضاتهم وبسيارات فخمة فى شوارع طرابلس مثلا اما اعلامه فلم ارى اكثر غبائا مثله. تعالت الهمسات وعرف جلنا ان يوم 17 فبراير سيكون يوم الحسم واللى فيها حليب تصيح.... ولكن كانت هناك اصوات تغرد خارج السرب وهى تقول: والله قالوا القايد بينزل فى مظاهرة مع الشعب بيش يسقطوا حكومة البغدادى.... على مين ياطبرق؟
فى اليوم الخامس عشر من فبراير كنت فى مطار طرابلس وقد استقبلت سبعة عشرة سائحا من امريكا وكنا نستعد للطيران الى بنغازى فى اليوم السابع عشر من فبراير.... انهيت اجرائات الأستقبال والأسكان فى فندق كورنثيا كعادتى ثم توجهت الى شارع المقريف سابقا حيث يوجد مقهى حافلا بالشباب الرافض للقذافى, وكان الحديث يدور حول بنغازى وعن الوضع تماما, اتجهت نحو المقهى وبعد ان اخذت فنجان قهوتى ,وقفت خارجا مع بعضا من الأصدقاء الذين عاشوا فترة من حياتهم فى المهجر هربا او رفضا لسياسة الشعب المسلح الغيرقابل للهزيمة وقصص اخرى مع التخفيض .... بدات احتسى القهوة على الطريقة الأيطالية واشاهد حركة الشارع الذى كان حافلا بالسيارات والتى تنطلق مسرعة وهى تحمل صور القذافى وتتحدى المارة وكأنهم ليبيون من الدرجة الثانية, ذهب خيالى بعيدا نحو مستقبل مجهول لبضع لحظات قطعها حديث رضا والى اتى لتوه
من بنغازى وهو يرافق مجموعة من الأيطاليين وهو يقول:
لاسلام لا......... بنغازى تشاو عليها انسوا ان فيه بنغازى فى ليبيا ......
ياساتر شن صاير احكى...
والله اليوم فى البيضاء وشحات وبنغازى الشعب كله طلع ,جايب كمشة مرتزقة يقتلوا فى الشعب ها ال...... لكن الشرطة واقفة مع الشعب
تريس والله صحا ليهم واحنى امتى؟
احنى؟ من احنى؟ احنى ميتين وهاك تشوف فى النماذج كيف طالعيين بالصور متاع السحار....
هكذا اذا بدأت الثورة فى ليبيا من ارض الشرق وتفاعل معها ابناء العاصمة ومصراتة والجبل والزاوية وزوارة وغيرها.... بدأت ليبيا وفى خلال اسبوع من الثورة بلدا اخرا, بلدا فر منه الأجانب, كان مطار طرابلس اشبه بأحداث فيلم تيتانيك, الكل يحاول ان يهرب وبأى طريقة, نعم لقد هربوا وتركواالليبيون يواجهون مصيرهم لوحدهم , ذاك المصير الذى اتضحت معالمه من خلال خطاب زنقة زنقة الشهير والذى كشف وجه السحار القبيح .... فى اسبوع فقط بدأت طرابلس وكأنها مدينة اشباح حيث ان المارة قليلوا العدد و المحلات مغلقة والمخابز خاوية نهارا والبوابات والمطاردات وسيارات التندرا الحقيرة واصوات الرصاص سمة المدينة ليلا, كانت بنغازى بل وبرقة كاملة اشبه بالجزء المقطوع من الجسد الليبى, كانت ابعد من اى وقت مضى بعد ان قطعت عنها الأتصالات الهاتفية.
فى ظرف اسبوع واحد فقط تلاشت من مخيلتى صورة ليبيا شحات سوسة لبدة صبراتة متحف السراى لتأخذ مكانها صورة ليبيا اخرى, ليبيا القبيحة, ليبيا الكلاشنكوف,ليبيا الحرس الشعبى, ليبيا الكتائب,ليبيا يوسف شاكير وسمير الكردى...... كانت افكارى مشتتة تماما ولكن فكرة ترك البلاد كنت ارفضها تماما... فانا اريد ان ارى النهاية... كانت طرابلس ليست مدينتى ولذا فضلت عدم القيام بأى شى فيها لأنه وببساطة انتحار وكانت مدينتى الاصلية قد اخذت طريقا اخرا غير طريقى فطلقتها الى الأبد..... وجدت نفسى مرغما فى البداية على القيام بالترجمة لصحافيين اجانب جلبهم النظام لأن يقوموا بالحرب الأعلامية معه فوجدت فى ذلك فرصة للحرب من داخل خنادقه وبطريقة لاتقل اهمية عن الكلاشنكوف والتى اجبرت على مظاجعتها عام 1996 امتثالا لنظريات الكتاب الأغبر.... لقد كان خندق القدافى الاعلامى مهما جدا ففيه كنت ازود المعلومات لصالح الثورة لصحف الكوريرا ديلاسيرا وريبوبليكا الايطالية وكذلك قناة راى اونو وراى ترى وقناة كانالى تشينكوى اى ان الأعلام الايطالى والذى كان يعول عليه القدافى قد وقع تحت قبضة يدى.... كنت اتعامل مع صحيفة لوموند الفرنسية وراديو مونتى كارلو وقناة تى فى 5 الفرنسية وكذلك التلفزين الفرنسى الاكتر مشاهدة قناة تى اف1 اى بعبارات اخرى باى باى يافرنسا...... كانت صحيفة الموندو الاسبانية و كذلك البايس وتلفزيون تى فى اى الاسبانى فى الجيب....... كان مراسلوا صحف نيويورك تايمز,لوس انجيلس تايمز, وشانطن بوسط, ديلى تليقراف وبعض من وكالة رويترز على اتصالات سرية وعلنية لمعرفة اخر اخبار الشارع الليبى..... بكلمات بسيطة كنت انا وفقط اثنان من اصدقائى خلاية نائمة مجهولة استطاعت ان تبحر عكس التيار داخل ذاك الفندق الذى اراده القذافى ان يكون خندقا لعملياته الاعلامية والجاسوسية وكذلك الهبات والهدايا للصحافيين, كان اكتشاف امرك هناك يعنى وببساطة انك انتهيت وعلى شاشات قناة حمزة الراعى الرسمى للسعى الوطنى والكلاشنكوف, اى اننا كنا نموت مرات ومرات يوميا وكنا نتجنب الحديث مع بعض امام الأخريين... وما اكثرهم. حتى وجدت نفسى مرغما على الهروب من البلد فى جنح الظلام وشرب كأس الغربة مرة اخرى بل وربما ابدية هذه المرة.
مرت تلك الايام وقد عشناها وفرح وامل على انتصارات مصراتة ودخول الثوار الى بن جواد وصول الثوار الى بير عياد وانشقاق فلان, . تعرفنا على نشرات اخبار ومذيعين ومحللين, عشناها بطوابير البنزين وتندرات ساركوزى وتفاهات حمزة وشاكير... كان كل ذلك من هذة السنة ,سنة الكر والفر. وسنة سيدى معمر اللى شدوه فى الكمرة.
مرت هذه السنة التى لا استطيع وصفها الأ بسنة انتصار الشعب. سنة عانى فيها شعبنا ظلما وارهابا لايوصف ولكنه انتصر اخيرا. انتصر وانا فقط اتابع اتصاراته من خلال شاشات التلفاز والكمبيوتر. انتصر ولكن ارى ان بعضا من ابناء هذاء الشعب لاتعرف لذة الانتصار فأراها قد عاثت فسادا , فلم تسلم لاضرحة ولا المقار الحكومية ولا املاك مواطنيين. انها ليست من اخلاق الثورة ولا من اخلاق الشعب الليبى والارض الليبية.
و عاشت ليبيا حرة.
.